محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
93
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
بالعذاب لأهل الخطايا والذنوب ، والعقوبة بالحجاب لأهل إساءة الأدب بين يدي علّام الغيوب . وقد تكون العقوبة الخفية والمؤجّلة أشد على المريد من العقوبة الجلية المعجلة ، ومثال تلك العقوبة الخفية ما ذكره من قطع المدد عنه وإقامته في مقام البعد عنه ، وهذا هو مبدأ وقوع الحجاب الذي ذكرناه ، فإذا ابتلي به المريد ولم تتداركه رحمة من اللّه تعالى في الحال العتيد « 1 » ، كان ذلك موجبا لسقوطه من عين اللّه ووقوع الحجاب على قلبه ، وتبدّل الأنس بالوحشة ، وانتساخ الضياء بالظلمة ، ولم يمكنه بعد ذلك معاودة الحال الأولى ، لأنه إذ ذاك تنقطع عنه الإمدادات المتصلة ، والواردات المتحصلة ، فتنكسف عنه حينئذ شمس العرفان ، وتتستر عنه الكشوفات والبيان ، وهذه جنود اللّه تعالى في قلب العبد ، فإذا فقد النصرة من اللّه تعالى بذلك وقع في الخذلان ، واستحوذ عليه الشيطان ، فأنساه الذكر وحاق به سئ المكر ، ورجع إلى متابعة هوى نفسه الأمّارة ، وخرج من دائرة الصفوة المختارة ، فنعود باللّه من سوء المقدر وعدم التوفيق إلى مراعاة أوائل الأمور ، وما احتج به المريد لنفسه من الكلام الذي ذكره المؤلف رحمه اللّه ، يقتضي توجّه هذه العقوبة إليه ضربة لازب « 2 » ، لأن قوله : ( لو كان سوء أدب . . إلخ ) دليل على رضاه بحاله واستحسانه لأعماله ، وهذا هو الموجب له عدم المزيد الذي اقتضاه قطع المدد عنه ، ولو كان المدد متواصلا إليه لازداد عندما يقع منه سوء الأدب تواضعا لربّه وافتقارا إليه وخوفا من مكره ، ولم يستحسن حال نفسه ولم يرضها . قال سيدي أبو العباس ، رضي اللّه تعالى عنه : « كل سوء أدب يثمر لك أدبا مع اللّه تعالى فهو أدب » ، وهو الذي أوجب له أيضا التخلية بينه وبين ما يريد الذي اقتضى له إقامته مقام البعد ، إذ لو كان مقاما في القرب لبعد عن رؤية نفسه وكان متهما لها في إرادتها ، وكان واقفا مع مراد اللّه به ، فإن أقدم على أمر بإرادته وشهوته تداركه اللّه تعالى بالعصمة ، وعوّق عليه ما أراده ، وسدّ عليه مسالكه ؛ ولم يخله وما أراد من ذلك . ويقال من علامات التوفيق ثلاث : دخول أعمال البرّ عليك من غير قصد منك إليها ، وصرف المعاصي عنك مع السعي فيها ، فتح باب اللجاء والافتقار إلى اللّه تعالى في كل الأحوال . ومن علامة الخذلان ثلاثة : تعسّر الطاعات عليك مع السعي فيها ، ودخول المعاصي عليك مع الهرب منها ، وغلق باب اللجاء إلى اللّه وترك الدعاء في الأحوال .
--> ( 1 ) العتيد : المهيأ والحاضر والمعدّ . ( 2 ) اللازب : اللازم الثابت ، يقال : صار الأمر ضربة لازب أي صار لازما ثابتا شديد اللزوم .